عبد الله بن محمد المالكي
465
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
رجوعه إلى الموضع الذي كان فيه ، فما قدرت على ذلك إلا بعد ثلاثين سنة . قال « 11 » : وخرج من داره يوم الجمعة لصلاة الجمعة « 12 » ، فإذا شاب جميل له هيئة حسنة ولباس جميل وقد اتبع صبية يمشي خلفها ، فلما رآه عبد الجبار شقّ عليه ذلك ، فاتكأ برجله على رجله الأخرى فقطع شسع نعله ، فصاح « 13 » : « يا شاب ، يا شاب ! » فالتفت الشاب إليه ، فمشى إليه عبد الجبار ، فوقف الشاب فقال له عبد الجبار : « قد كبرت سنّي وضعف بصري ، وقد انقطع شسع نعلي ، فأصلحه لي » فأصلحه له . ثم نظر عبد الجبار إلى الصبية وقد أمسكت في مشيتها « 14 » ، فأخذ النعل من الشاب وأدخله في رجله ، وتمادى الشاب في أثر الصبية ، فاتكأ عبد الجبار على نعله ثانية فقطعه ، ثم صاح : « يا شاب ، يا شاب ! » وكانت « 15 » لعبد الجبار هيبة عظيمة ، فعاد إليه الشاب فقال له : « أصلح النعل يا مبارك ، ما أصلحته إصلاحا جيدا ، أظنك أصلحته وأنت مستعجل » فأخذه الشاب وأصلحه ، فعطف عليه عبد الجبار وقال : « يا شاب ، أنا قطعت النعل في المرة [ الأولى ] « 16 » والثانية ، وإنما فعلت ذلك إشفاقا عليك ورحمة لك ، وخفت واللّه يا بنيّ على هذا الشباب الصبيح من لفح النار » . وبكى عبد الجبار وبكى الشاب . ثم قال له : « جزاك اللّه خيرا ، فو اللّه لا عدت إلى ما كان منّي أبدا » ، ثم صحب عبد الجبار إلى الجامع وتاب وحسنت توبته وإنابته . وكان من فضلاء أهل وقته ، ونفعه اللّه عزّ وجل بنية عبد الجبار وبتلطفه وترفقه . حدث الشيخ أبو الحسن القابسي ، رحمه اللّه تعالى ، قال « 17 » : راح عبد الجبار
--> ( 11 ) الخبر في المعالم 2 : 188 - 189 وباختصار وتصرف في المدارك 4 : 387 ونلاحظ أن ابن ناجي أسنده عن هاشم بن مسرور أيضا . ( 12 ) عبارة ( م ) والمعالم : للرواح إلى صلاة الجمعة . ( 13 ) في المعالم : ثم صاح . ( 14 ) في ( م ) : مشيها . ( 15 ) في الأصول : وكان . ( 16 ) زيادة من ( م ) والمعالم . ( 17 ) الخبر بهذا الاسناد في المدارك 4 : 385 .